يطرح أندرو لاثام رؤية تحليلية تثير الشكوك حول إعلان دونالد ترامب النصر في الحرب على إيران قبل انتهاء الصراع، حيث يرى أن بقاء الجمهورية الإسلامية رغم الضربات القاسية قد يعزز موقعها بدل إضعافه. يلفت الكاتب إلى أن تكرار مصطلح “النصر البيروسي” في سياق العملية العسكرية الأمريكية يعكس قلقاً متزايداً من أن الكلفة الاستراتيجية للحرب قد تفوق مكاسبها الفعلية، خاصة مع تراجع الثقة الدولية وتآكل الهيبة العسكرية.
ينشر موقع ذا كونفرزيشن هذا التحليل في سياق أوسع يناقش تحولات السياسة الخارجية الأمريكية، ويربط بين الحرب الحالية وتجارب سابقة في الشرق الأوسط، حيث يبرز نمط متكرر من الانتصارات العسكرية التي تنتهي بخسائر استراتيجية طويلة المدى.
معنى النصر البيروسي وسياقه التاريخي
يعود مفهوم النصر البيروسي إلى الملك بيروس حاكم إبيروس في اليونان القديمة، الذي خاض معارك ضد روما في القرن الثالث قبل الميلاد وحقق انتصارات ميدانية، لكنها استنزفت قواته بشكل كبير. يوضح الكاتب أن المشكلة لم تكن في حجم الخسائر فقط، بل في أن كل انتصار كان يضعه في موقع أضعف مقارنة بخصمه. يعكس هذا المفهوم حالة يصبح فيها المنتصر أقل قدرة على الاستمرار رغم تحقيقه مكاسب ظاهرية.
يشرح التحليل أن كثيرين يستخدمون المصطلح لوصف انتصار مكلف، لكن المعنى الأعمق يكمن في تدهور الموقع الاستراتيجي بعد الفوز. يبرز هذا الفارق أهمية تقييم نتائج الحروب ليس فقط بنتائج المعارك، بل بما تتركه من آثار على توازن القوى.
من العراق إلى ليبيا: دروس التدخلات السابقة
يربط الكاتب بين مفهوم النصر البيروسي والتجارب الأمريكية في العراق وليبيا، حيث أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين بسرعة، لكنها فتحت الباب أمام فوضى سياسية وأمنية أدت إلى صعود تنظيمات مسلحة وتوسع النفوذ الإيراني. يوضح أن إزالة خصم إقليمي قوي مثل العراق أضعف التوازن في الخليج ومنح طهران مساحة أكبر للتحرك.
ينتقل التحليل إلى ليبيا، حيث نجحت العمليات العسكرية في إسقاط نظام معمر القذافي، لكن غياب خطة لما بعد الصراع أدى إلى تفكك الدولة وانتشار الميليشيات. يرى الكاتب أن هذه النتائج دفعت دولاً أخرى إلى التشكيك في جدوى التخلي عن برامج التسلح، معتبرة أن ذلك قد يضعف أمنها بدلاً من حمايته.
يؤكد أن هذه التجارب تمثل نماذج واضحة لانتصارات عسكرية تحولت إلى أعباء استراتيجية، ما يعزز فكرة أن التفوق في ساحة المعركة لا يضمن تحقيق أهداف السياسة الخارجية.
الحرب على إيران: انتصار أم مأزق؟
ينتقل التحليل إلى الوضع الحالي في إيران، حيث فقدت القيادة الإيرانية جزءاً من قوتها العسكرية وتعرضت بنيتها الدفاعية لضربات قوية. رغم ذلك، يلاحظ الكاتب أن طهران ما زالت تسيطر على مضيق هرمز، وهو ما يمنحها نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً لم تكن تستخدمه بنفس القوة قبل الحرب.
يرى أن ارتفاع أسعار النفط وتأثيره على الاقتصاد العالمي يمنح دولاً مثل روسيا مكاسب غير مباشرة، بينما تواجه الولايات المتحدة تداعيات اقتصادية وسياسية معقدة. كما يشير إلى أن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية قد يدفعها إلى تسريع تطوير برنامج ردع نووي بدلاً من التخلي عنه، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
يتساءل الكاتب عما إذا كانت الولايات المتحدة حققت فعلاً نصراً حقيقياً، أم أنها دخلت في مسار يشبه تجربة بيروس، حيث يؤدي كل تقدم عسكري إلى تراجع في الموقع الاستراتيجي العام.
مستقبل الصراع ومعادلة القوة
يختتم التحليل بطرح سؤال جوهري حول معنى النصر في الحروب الحديثة، مشيراً إلى أن النتائج لا تقاس فقط بما يحدث في ساحة القتال، بل بما يتغير في موازين القوى بعد انتهاء العمليات. يلمح إلى أن استمرار التوتر في مضيق هرمز وتعثر المفاوضات يمنح إيران أسباباً إضافية لتعزيز قدراتها الدفاعية.
يرى أن الإجابة عن سؤال النصر ستتضح مع الوقت، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الولايات المتحدة قد تواجه واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل الحرب. وبينما أعلن ترامب النجاح وفق معاييره، يبقى التحدي الحقيقي في تقييم ما إذا كان هذا النجاح قد عزز موقع واشنطن أم أضعفه في مواجهة خصومها.
https://theconversation.com/is-trump-heading-to-a-pyrrhic-victory-in-iran-280859

